القرطبي
218
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
خطابا لبني إسرائيل في أول الأمر ، أي أسأتم فحل بكم القتل والسبي والتخريب ثم أحسنتم فعاد إليكم الملك والعلو وانتظام الحال . ويحتمل أنه خوطب بهذا بنو إسرائيل في زمن محمد صلى الله عليه وسلم ، أي عرفتم استحقاق أسلافكم للعقوبة على العصيان فارتقبوا مثله . أو يكون خطابا لمشركي قريش على هذا الوجه . ( فإذا جاء وعد الآخرة ) من إفسادكم ، وذلك أنهم قتلوا في المرة الثانية يحيى بن زكريا عليهما السلام ، قتله ملك من بني إسرائيل يقال له لأخت ، قاله القتبي . وقال الطبري : اسمه هردوس ، ذكره في التاريخ ، حمله على قتله امرأة اسمها أزبيل . وقال السدى : كان ملك بني إسرائيل يكرم يحيى بن زكريا ويستشيره في الامر ، فاستشاره الملك أن يتزوج بنت امرأة له فنهاه عنها وقال : إنها لا تحل لك ، فحقدت أمها على يحيى عليه السلام ، ثم ألبست ابنتها ثيابا حمرا رقاقا وطيبتها وأرسلتها إلى الملك وهو على شرابه ، وأمرتها أن تتعرض له ، وإن أرادها أبت حتى يعطيها ما تسأله ، فإذا أجاب سألت أن يؤتى برأس يحيى بن زكريا في طست من ذهب ، ففعلت ذلك حتى أتى برأس يحيى بن زكريا والرأس تتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول : لا تحل لك ، لا تحل لك ، فلما أصبح إذا دمه يغلى ، فألقى عليه التراب فغلى فوقه ، فلم يزل يلقى عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يغلى ، ذكره الثعلبي وغيره . وذكر ابن عساكر الحافظ في تاريخه عن الحسين بن علي قال : كان ملك من هذه الملوك مات وترك امرأته وابنته فورث ملكه أخوه ، فأراد أن يتزوج امرأة أخيه ، فاستشار يحيى بن زكريا في ذلك ، وكانت الملوك في ذلك الزمان يعملون بأمر الأنبياء ، فقال له : لا تتزوجها فإنها بغى ، فعرفت ذلك المرأة أنه قد ذكرها وصرفه عنها ، فقالت : من أين هذا ! حتى بلغها أنه من قبل يحيى ، فقالت : ليقتلن يحيى أو ليخرجن من ملكه ، فعمدت إلى ابنتها وصنعتها ، ثم قالت : اذهبي إلى عمك عند الملا فإنه إذا رآك سيدعوك ويجلسك في حجره ، ويقول سليني ما شئت ، فإنك لن تسأليني شيئا إلا أعطيتك ، فإذا قال لك ذلك فقولي : لا أسأل إلا رأس يحيى . قال : وكانت الملوك إذا تكلم أحدهم بشئ على رؤوس الملا ثم لم يمض له نزع من ملكه ، ففعلت ذلك . قال : فجعل يأتيه الموت من قتله يحيى ،